أعاد الكونغرس العالمي الأبخاز- أبازيني بالتعاون مع المسرح الدرامي، إحياء نشاط نادي النقاش. وقد انطلقت أولى جلسات مشروع "المسرح والجمهور" مباشرة عقب عرض مسرحية "النورس" للكاتب تشيخوف؛ حيث تبادل الجمهور الآراء حول العرض، وتشاركوا انطباعاتهم، وتأملوا في دلالاته العميقة.

بقلم: إسما غولاندزيا

بدأت الأمسية بعرض مسرحية "النورس"، وهي واحدة من أيقونات الكاتب العالمي تشيخوف، حيث شاهد الجمهور رؤية إخراجية متميزة للفنانة القديرة- مادينا أرغون. شارك في تجسيد العمل نخبة من الممثلين، من بينهم: تمارا أفيدزبا، ميخائيل تسكوا، غوندا أجيبا، مايا دجيكيربا وخيبلا موكبا، إلى جانب أعضاء آخرين من الفرقة المسرحية.

وعقب أسدال الستار، عقدت حلقة نقاشية جمعت الممثلين بالجمهور، الذي ضم متذوقين مخضرمين للمسرح وآخرين تعرفوا على هذه المسرحية لأول مرة. افتتحت النقاش "خيبلا موكبا"، المديرة العامة للمسرح والممثلة فيه، قائلة:

"نريدكم أن تشاركونا انطباعاتكم بكل صراحة. إذا كانت هناك ملاحظات أو أوجه قصور، فنحن نرحب بسماعها؛ فمثل هذه اللقاءات التي تتيح تفاعلاً حياً ومباشراً مع الجمهور تعد في غاية الأهمية بالنسبة لنا"

كما أكدت المخرجة مادينا أرغون على الأهمية البالغة للتغذية الراجعة، قائلة:

"نواجه في أبخازيا نقصاً في النقد المسرحي المتخصص. أحياناً، عندما أركز كمخرجة على مشهد معين، تأتي ردة فعل الجمهور غير متوقعة. لذا، يهمني معرفة ما إذا كانت الرسائل الضمنية التي وضعتها قد وصلت بوضوح، وما الذي نحتاج لتطويره مستقبلاً. هذا الأمر حيوي جداً لنا، ولي شخصياً، مهما بلغت سنوات خبرتي"

على مدى أكثر من قرن، لم تغادر مسرحية "النورس"خشبات كبرى المسارح العالمية، حيث كانت تقدم دوماً برؤى ومعالجات فنية متجددة. وفي هذا السياق، أشادت إحدى الحاضرات، إيلينا كوباخيا، بخصوصية العرض الأبخازي، ووجهت شكرها للمخرجة وفريق العمل قائلة:

"أتدرون ما هو أثمن ما في الأمر؟ إنه ذاك الشعور بالانسجام، حين تدرك أنك والمخرج على موجة واحدة، تفهم رؤيته وتلتقط رموزه. في هذا الإدراك تكمن متعة الاكتشاف. إن أي مسرح يحترم نفسه يسعى جاهداً لتقديم أعمال تشيخوف، محاولاً فهمها وإعادة قراءتها. شكراً لكم على هذه القراءة الفنية الجديدة!"

خلال النقاش، استفسر الحضور من المخرجة عن دلالات بعض الرموز المستخدمة في العرض، واعترف البعض بأنهم رأوا المسرحية بمنظور جديد، حيث تبين أن محتواها أعمق وأعقد مما كانوا يتصورون.

وفي هذا السياق، قال ألخاس منارجيا:

"ربما لم أتمكن من استيعاب كافة الرسائل الضمنية، لكن المسرحية بذاتها -رغم مأساويتها- جعلتني أتأمل في الحياة والحب والأشياء الجميلة، وعلينا أن نقدر ذلك. وبشكل عام، كي نتمكن من نقاش الفن، لابد من زيارة المسرح الدرامي وغيره من المسارح، وقراءة الأدب الكلاسيكي"

كما شاركت احدى الحاضرات عايدة لاداريا انطباعاتها المفصلة حول العرض قائلة:

"كان الممثلون صادقين للغاية وتفانوا في أدوارهم. لكنني شعرت، يا مادينا، أنك أفرطتِ قليلاً في استخدام الرمزية، لدرجة أنني وجدت نفسي أتساءل: ماذا قصدت مادينا بهذا؟ وما دلالة ذاك؟. لكن من ناحية أخرى، فكرت في أن هذا الرابط بين رؤية المخرج وإدراك المشاهد هو جوهر سحر المسرح. وأنا أعلم أنك مخرجة دؤوبة في بحثها، وقد لمست هذا البحث والشغف في هذا العرض"

كما لفت الجمهورالانتباه إلى أداء الممثلين الشباب، والموسيقى التصويرية التعبيرية، ومشهد الاعتراف بالحب باللغة الأبخازية الذي ترك أثراً خاصاً.

وعن هذا المشهد، قالت أستاندا أرغون:

"ثمة تقنية خاصة في هذا الاعتراف؛ ففي البداية ترتمي المرأة عند القدمين، ثم تستدير ويبدو أنها تستسلم، لكنها في الحقيقة لا تفعل، بل تظل ممسكة بزمام كل شيء: مشاعرها وآلامها... لقد كان مشهداً بارعاً"

اختلفت تقديرات الجمهور وتنوعت زوايا رؤيتهم للعرض، لكنهم أجمعوا على أمر جوهري واحد: أن المسرحية لمست وجدانهم بعمق وأثارت في نفوسهم تساؤلات جادة؛ فالتساؤلات حول معنى الحياة والحب التي طرحها العرض كانت قريبة ومفهومة للجميع.

وفي ختام اللقاء، وجهت إيزولدا خاغبا، مديرة قسم الأنشطة الاجتماعية والرعاية الصحية في "الكونغرس العالمي للشعب الأبخازي والأبازيني" ومنسقة المشروع، الشكر للمسرح والممثلين على هذا التعاون، قائلة:

"لقد كانت جلسة اليوم بمثابة انطلاقة تجريبية، وبالطبع نخطط لدعوة المزيد من الشباب للمشاركة في النقاشات القادمة. تتمثل رؤيتي في استقطاب طلاب من مختلف الكليات، لاسيما طلاب كلية الإعلام؛ فمن المفيد جداً لمسيرتهم المهنية تعلّم كيفية تحليل العروض المسرحية، والاستماع لآراء متنوعة، وفك رموز الرؤية الإخراجية. هذا سيجعل تقاريرهم أكثر عمقاً وتشويقاً، ويحفز الجمهور على زيارة المسرح. إن الذوق الفني وسعة الأفق يتشكلان تحديداً في مثل هذه اللقاءات"

يهدف المشروع المشترك بين الكونغرس العالمي للشعب الأبخازي والأبازيني والمسرح الأبخازي إلى إيجاد منصة للنقاش العميق والمتعدد الرؤى حول العروض المسرحية. ويجمع هذا المشروع تحت سقفه نخبة من المتخصصين في دراسات المسرح، والنقاد، والباحثين الشباب، والجمهور النشط، ومحبي الفنون الأدائية بشتى أطيافهم؛ علماً بأن باب المشاركة في هذه النقاشات مفتوح لكل من يرغب في ذلك.